خامنئي، أبُ إيران الحديثة / عبقريٌّ ذو أبعادٍ تاريخية!
خامنئي، أبُ إيران الحديثة / عبقريٌّ ذو أبعادٍ تاريخية!
إیران على طریق الحضارة الإسلامیة الجدیدة
بعد الثورة الإسلامیة، توحدت جبهة الاستکبار العالمی بأسرها على هدف واحد، وهو إسقاط دولة ثوریة رفضت أن تخضع لأیة من القوتین العظمیین فی ذلک العصر، ورفعت شعار “لا شرقیة ولا غربیة” کمبدأ أساسی لها. ومنذ ذلک الیوم، سلَّت جبهة الاستکبار سیفها ضد إیران، عازمة على إلحاق هزیمة ومذلة بها تکون عبرة لجمیع شعوب الجنوب العالمی.
العقد الأول من الثورة، وبفضل الأجواء الثوریة والدعم الشعبی الأقصى، فشلت جمیع مؤامرات العدو. لکن بعد ذلک، دخلت إیران مرحلة أکثر حساسیة، وبرزت تحديات جدیدة، واتخذت الحرب أبعاداً مختلفة ومعقدة. وفی تلک الظروف الدقیقة، تم انتخاب آیت الله الخامنئی لقیادة الأمة؛ قائد یجب أن یُرمّم دمار الحرب، وفی الوقت نفسه یلبی تطلعات المجتمع الثوری نحو التنمیة والرفاه.
أربعون عاماً من التحول والتقدم؛ من الریف إلى قمم الحضارة
خلال قیادة آیت الله الخامنئی التی دامت قرابة أربعین عاماً، تحولت إیران من دولة یبلغ عدد سکانها خمسون ملیوناً إلى دولة یقترب عدد سکانها من مئة ملیون. وتحول المجتمع الإیرانی من مجتمع ذی غالبیة ریشیة إلى دولة ذات أغلبیة سکانیة مدنیة. طیلة هذه السنوات، ورغم جمیع العقبات – من حصار اقتصادی ودعایات عدائیة – أصبحت إیران دولة ذات شباب متعلم، وأصبحت الطبقة الوسطى المدنیة تشکل الغالبية السکانیة.
تم إنشاء شبکة واسعة من الطرق والمیاه والکهرباء والرعایة الصحیة والتعلیم والغاز فی جمیع أنحاء البلاد. وفی عصر قیادته، شهدت إیران واحدة من أعلى نسب النمو فی مؤشر التنمیة البشریة على مستوى العالم، متحولة من دولة ریشیة بالأساس إلى دولة تضم عشرات الملایین من المتخصصین والخریجین الجامعیین. هذه هی “إیران القویة” التی رسم لها القائد الحکیم خریطة طریق لعقود قادمة.
الجنازة الأسطوریة؛ عزّة لم یعرفها التاریخ
فی صفحات التاریخ، لم یشهد أی نبی مرسل ولا أی إمام بر حق هذا الجمع الهائل فی تشییع جنازته. لم یُشیّع أی خلیفة مسلم من بغداد إلى الحجاز، ولا أی مرجع دینی من قم إلى النجف، بهذا الشکل خلال عدة لیال وأیام من قبل ملايين المسلمین من جمیع أنحاء البلاد الإسلامیة. قیصر وکسرى یحسدان ویتمنیان لو کان لهما أتباع وأمة بهذه المکانة. ملوك إیران لم یحلموا قط بجنازة أسطوریة مماثلة.
بعد مظفر الدین شاه، لم یدفن أی ملك إیرانی حتی فی تراب وطنه. کل واحد منهم إما مات فی مستشفى أوروبی باسم مستعار، أو قضى نحبه فی جزیرة مقفرة وسط المحیطات. طهران، التی کانت فیما مضى قرية صغیرة بالقرب من الری، وحتى الیوم وهی “أم القرى” للعالم الإسلامی، لم تشهد مثل هذه الملحمة التاریخیة.
هذه هی جنازة الشهید السید علی الخامنئی التی تضاهی صفحات التاریخ بأسرها. هذه هی فکرة الثورة الإسلامیة التی أعزت الإسلام بهذا الشکل، وجعلت أبصار العالم تتجه إلى نعش فقیه شیعی. لیفتح أولئک الشیعة الذین لا یعرفون من دینهم إلا الجلوس والانتظار أعینهم، ویشهدوا عزّة الإسلام خلف نعش الخامنئی. ولیشاهد أولئک الإیرانیون الذین یتحسرون على عظمة إیران التاریخیة فی عصر الملوك، قیامة الخامنئی التی تأتی بعد قرون من موت الملوك المذلّ. هذه طهران، هذا جسد الشهید السید علی الخامنئی، وهذه هی خیر أمة رأها التاریخ!
العبقری الفذّ؛ قائد بألف وجه
نعم، هذا قائدنا! آیت الله الخامنئی، عبقریّنا المحبوب. تارةً، یقف فی قامة أدیب بارع، یوصی ببعض الروایات من بین مئات الروایات الأجنبیة والمحلیة التی قرأها، ویکتب تقاریظ علیها لیقرأ الناس ویکتبوا. وتارةً، یکون شمس مجلس الشعراء لینمو الأدب الراقی والمسؤول.
وتارةً، کأستاذ متمکن فی محفل القرّاء والحفّاظ، یتولى تدریس أدق المسائل الفنیة وتدریب جیل بارز من القرّاء والإداریین القرآنیین، مؤدیاً دوره التاریخی. وتارةً، وسط النخبة، یحلل تاریخ الإسلام والأمم بعمق بحیث یخال المرء أنه قضى عمره فی دراسة التاریخ.
وتارةً، بین العسکریین والقادة من کبار السن والشباب، یوجه الاستراتیجیات والتکتیکات العسکریة والأمنیة والتسلیحیة المتخصصة ضد العدو الخارجی، بما یثیر إعجاب بعض أقوى القادة والزعماء فی العالم. وتارةً، کحکیم خبیر فی مجالس الأساتذة والطلاب والحوزویین والتقنیین، یتحدث عن مستقبل البلاد العلمی، ویرسم خارطة طریق “إیران القویة والمتقدمة” لعقود قادمة.
وتارةً، بین العلماء والخبراء وأصحاب الرأی الدینی من الداخل والخارج، وبإتقانه للأصول العلمیة والتجدد والابتکار، یستنبط مسارات جدیدة لتقدم الأمة الإسلامیة، مثیراً إعجاب الجمیع. وأحیاناً أخرى، کأب حنون بین الفتیات اللواتی بلغن سن التکلیف الشرعی وأبناء الشهداء، ینشر أجنحة الحنان والعاطفة، حتى إن الأطفال لفرط شوقهم للقائه، لا یعرفون کیف یضبطون فرحتهم.
نعم، هذا قائدنا، العبقری الفذّ فی عصره! إنه متربی الإمام المهدی (عج) وتلمیذ روح الله (الخمینی). إنه السید علی الخامنئی.
حرب الغرب ضد إیران القویة؛ قضیة الاستقلال والعزّة
المجال الرئیسی الذی بلغت فیه حرب الغرب مع آیت الله الخامنئی ذروتها، هو إیمانه الراسخ باستقلال البلاد وقوتها، وتوطین التنمیة خاصة فی المجال العسکری. وکل ما عدا ذلک کان مجرد ذریعة لمنعه من تحقیق هذا الهدف. فی حربه ضد الخامنئی، استخدم الغرب جمیع أدواته، لکن کل تلک الأدوات کانت مجرد وسیلة، والهدف الأساسی کان دائمًا منع استقلال إیران، خاصة فی المجالین العسکری والدفاعی.
إذا شن الغرب حرباً خطابیة ضد الخامنئی حول حریة المرأة – وهی واحدة من المجالات الجوهریة للخلاف بین الرؤیة الغربیة وآیت الله الخامنئی، حیث اتهمه الغرب بمعارضة حریة المرأة وحقوقها، بینما یرى الخامنئی أن النظرة الغربیة للمرأة نظرة أداتیة وجنسیة ویعارضها بشدة – فإن هدفه لم یکن تحریر المرأة الإیرانیة. لو تخلّى آیت الله الخامنئی عن إصراره على استقلال إیران وقوتها، وخضع لشروط الغرب، لما کان لدى الغرب أی مشکلة فی ارتداء النساء الإیرانیات للبرقع، بل کان سیصدر ملیونات من البراقع والخمارات إلى إیران سنویاً. الهدف الحقیقی کان دائمًا هو تحریض شریحة من المجتمع ضده، وتسخیر جزء من النساء الإیرانیات لإسقاطه ومنعه من تحقیق هدفه الأسمى.
الخلاصة؛ إرث للتاریخ
آیت الله الخامنئی، أبی إیران الحدیثة، لم یقتصر دوره على إعادة إعمار البلاد من ركام الحرب، بل منح الإسلام وإیران عزّة لا نظیر لها. على مدى أربعین عاماً من القیادة، حوّل إیران من مجتمع ریشی إلى مرکز الحضارة الإسلامیة الجدیدة. الاستقلال، والتنمیة، والعدالة، والروحانیة، هی الأرکة الأربعة التی أسس علیها “إیران القویة”. الجنازة الأسطوریة والعظمة غیر المسبوقة التی ستظهر من بعده، هی خیر شاهد على أن إیران، فی مسیرها نحو بناء الحضارة، تدین لقائد حکیم وعبقری فذ لم ترَ التاریخ مثله.