الإمام المهدي (عج) ونهاية النظام الاستعماري؛ قراءة الثورة الإسلامية في المنقذ الموعود
الإمام المهدي (عج) ونهاية النظام الاستعماري؛ قراءة الثورة الإسلامية في المنقذ الموعود
بزوغ فجر خطاب جديد؛ حين يتحوّل الانتظار إلى ثورة
يُجمع المحللون الجيوسياسيون على أن عام ۲۰۲۶ يمثل ذروة التناقضات في نظام الهيمنة العالمي. ففي مشهد دولي متأجج، نرى الغرب وحلفاءه يبذلون قصارى جهدهم لتمرير مشروع “النظام العالمي الجديد” الذي يخدم مصالح الكارتلات الاقتصادية والصهيونية العالمية. وفي الجانب المقابل، نرى محور المقاومة في الشرق الأوسط، المستلهم من الوعود الإلهية، يرفع راية “العدالة العالمية” عالياً. في خضم هذا الصراع المحتدم، تبرز الثورة الإسلامية في إيران كحدث تاريخي فريد من نوعه؛ فهي ليست مجرد حركة سياسية عابرة، بل هي ميلادٌ جديدٌ لخطاب “الانتظار الفعّال” الذي يجعل من الإمام المهدي (عج) محوراً لمشروع حضاري يهدف إلى اقتلاع جذور الاستعمار بجميع أشكاله القديمة والحديثة. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يشغل بال كل مراقبٍ ومحلل: كيف يمكن لعقيدة دينية عميقة أن تتحول إلى خريطة طريق استراتيجية لانهيار أعظم الإمبراطوريات الاستعمارية في التاريخ؟
الاستعمار: من السيف الماضي إلى الفقر الخادع في الحاضر
لكي ندرك حقيقة نهاية النظام الاستعماري، لا بدّ لنا من إعادة قراءة طبيعته المتغيّرة. في القرن التاسع عشر، كان الاستعمار يرتدي ثوباً وحشياً وقحاً؛ حيث كانت المدافع والبنادق تعيد رسم الحدود الجغرافية، وتستعبد الشعوب، وتنهب الثروات الخام بالقوة الغاشمة. أما اليوم، فقد ارتدى الاستعمار حلة حريرية مزركشة باسم “الاستعمار الجديد”، الذي لا يزال يسيطر على شرايين اقتصاديات دول العالم الثالث، وخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، عبر أدوات فتّاكة كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وكارتلات النفط، وعمالقة التكنولوجيا، وشبكات الإعلام المسمومة. يكشف لنا الاقتصادي الأميركي “جون بيركنز”، الذي خدم هذا النظام لسنوات، في كتابه الشهير “القاتل الاقتصادي”، كيف تعمل الشركات متعددة الجنسيات، بالتواطؤ مع أجهزة المخابرات، على قلب الأنظمة المستقلة وقلبها رأساً على عقب لمجرد ضمان استمرار تدفق الأرباح لهذه الكارتلات.
واليوم، تتدفق مليارات الدولارات من عائدات النفط والغاز في إيران والعراق وفنزويلا وليبيا إلى حسابات البنوك الغربية، بينما تعاني شعوب هذه الدول من ويلات التضخم والبطالة والفقر المدقع. وهذا بالضبط هو “الظلم الشامل” الذي تحدثت عنه الروايات المهدوية كإحدى العلامات الحتمية على اقتراب طلوع شمس ولاية العصر (عج). فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في رواية عميقة المعنى: “إذا غلب الظلم والجور على العالم، ويئس الناس من العدل، يقوم قائمنا ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً” (بحار الأنوار، ج ۵۲، ص ۲). هذه الرواية هي بمثابة إنذار إلهي صارم لكل الطواغيت والمستكبرين بأن لا عرش واهن ولا تاج مزيف يصمد أمام المشيئة الإلهية النافذة.
الثورة الإسلامية؛ القطيعة المعرفية مع نظام الهيمنة
تُشكّل الثورة الإسلامية في إيران عام ۱۹۷۹ أهم قطيعة معرفية وسياسية في تاريخ مواجهة الاستعمار الحديث. فالإمام الخميني (ره)، من خلال نظريته الرائدة في “ولاية الفقيه”، أعلن رسمياً أن وظيفة الحكم الديني في عصر الغيبة ليست مجرد إدارة شؤون الناس، بل التمهيد والتهيئة لظهور حكومة العدل المهدوية. هذا المنظور حوّل مفهوم “الانتظار” السلبي إلى منهج ثوري هجومي وهويّة قتالية. كان الإمام الخميني (ره) يكرر دوماً أن “انتظار الفرج من أعظم العبادات، وهو يبشر بحكومة المستضعفين”. وهذا هو عينه المسار الذي يتابعه اليوم قائد الثورة الإسلامية (دام ظله) عبر مشروع “الحضارة الإسلامية الجديدة” و”البيان للخطوة الثانية”، أي بناء نموذج حياة متدينة يسود فيه العدل الاقتصادي والاستقلال السياسي والمعنوية، لسد الفراغ الهائل الذي تركته حكومات الطواغيت العالمية.
ولكن، لماذا يخشى نظام الاستكبار العالمي هذا الخطاب إلى هذا الحد؟ يكمن الجواب في الأروقة المظلمة للسياسة العالمية. فالجمعيات السرية مثل “نادي بيلدربرغ” و”اللجنة الثلاثية”، التي وصفها المفكر جوزيف راتبل بأنها “حكومات ظل”، تدرك تماماً أن مشروع “العولمة على الطريقة الغربية” لا يمكنه النجاح إلا إذا تم محو الهويات الدينية والقومية. ولكن إيران الإسلامية، المعتمدة على العقيدة المهدوية والرؤية الأخروية، أحبطت هذا المخطط تماماً. ولهذا السبب، نرى الحرب الهجين الشرسة ضد إيران، من العقوبات الاقتصادية الخانقة إلى الحرب المعرفية في الفضاء السيبراني، تتواصل بوتيرة متصاعدة دون هوادة.
تطابق الروايات مع الحقائق الجيوسياسية في ۲۰۲۶
إذا نظرنا إلى التطورات الميدانية في المنطقة بعين البصيرة، نجد تطابقاً مذهلاً بين الروايات المهدوية والوقائع الراهنة. فالرواية المشهورة عن النبي الأكرم (ص) التي تقول: “خروج السفياني واليماني والمرواني في سنة واحدة، وفي شهر واحد، وفي يوم واحد، كالنظام الخرز”، تجد صدى لها اليوم في الانتفاضات الشعبية في بلاد الشام واليمن، وصمود المقاومة الباسلة في فلسطين. إن فصائل الجهاد والمقاومة، المستلهمة من تعاليم أهل البيت (ع) والمهدوية، تستهدف اليوم قواعد الاستكبار واحدة تلو الأخرى في سوريا والعراق ولبنان.
وبشكل خاص، فإن الكيان الصهيوني الذي يرتكب اليوم جريمة الإبادة الجماعية في غزة، يُعد في العديد من المصادر الإسلامية (ككتاب “الفتن” لنعيم بن حماد) هو التجسيد المعاصر لدولة “السفياني” الملعون في آخر الزمان. فالسفياني هو من يوجه جيوشه نحو العراق والحجاز، لكنه يلقى خسفاً في أرض “بيداء”. واليوم، نرى الانهيار التدريجي للهيمنة العسكرية والاستخباراتية الأميركية في غرب آسيا، واهتزاز عروش الصهاينة، وهو ما يبشر بقرب تحقق هذه العلامات النارية. حتى المفكرين الغربيين كـ “فرانسيس فوكوياما” الذي تحدث سابقاً عن “نهاية التاريخ”، يقف اليوم حائراً أمام عودة التاريخ بقوة إلى الواجهة في الشرق الأوسط، ولكن هذه المرة باسم الإيمان والعدالة والثأر للمظلومين.
دور إيران ومحور المقاومة؛ استمرار لحكومة العدل
لقد حوّلت الثورة الإسلامية القضية المهدوية من مجرد إيمان عاطفي فردي إلى رصيد جماعي وحشد هائل في السياسة الخارجية. إن دعم حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وأنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، كلها تندرج تحت راية واحدة مقدسة: “محو الاستكبار والتمهيد لطلوع شمس ولاية العصر”. هذا ليس تحالفاً سرياً أو عابراً؛ بل هو استراتيجية معلنة ومكتوبة في ميثاق الثورة الإسلامية.
إن الغرب، وخاصة أوروبا التي تعاني اليوم أزمة هوية خانقة، وتفككاً أخلاقياً غير مسبوق، وموجة إسلاموفوبيا صاعدة، يرفض الاعتراف بأن الحضارة المادية العاجزة لا يمكنها أبداً إشباع الفطرة الإنسانية المتعطشة إلى الروحانية والعدل. ولكن إحصاءات الأمم المتحدة تشير إلى أن نسبة التوجه نحو الدين بين شباب أوروبا وأميركا ارتفعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وأن الكثيرين، بعد دراسة الأديان الإبراهيمية، يعتنقون الإسلام. ومن المثير للاهتمام أن استطلاعات الرأي الأخيرة في أميركا أظهرت أن أكثر من ۴۰٪ من المواطنين يؤمنون بقدوم “المنقذ الموعود”، وهو رقم يدعو إلى الذعر ويدق ناقوس الخطر في أروقة الإعلام الصهيوني.
نهاية الكارتلات وبداية حكم المستضعفين
من أخطر الأهداف التي يسعى إليها قيام الإمام المهدي (عج) هي تدمير النظام المصرفي الربوي وكارتلات المال والسلاح العالمية. فاليوم، يسيطر ۱٪ من سكان العالم على أكثر من ۵۰٪ من الثروة العالمية. هذا التفاوت الصارخ ليس وليد صدفة؛ بل هو نتاج طبيعي لنظام استعماري قائم على الفائدة والربا والاستغلال. أما في عصر الظهور، وكما ورد عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: “حتى أن الفقير ليحسب أنه غني”، أي أن الفقراء سيعيشون غنىً ورفاهية لدرجة أنهم لا يصدقون أنفسهم. وهذا يعني أن كارتلات النفط والدواء والسلاح، التي تتاجر بدماء البشر وتلهب الحروب اليوم، سوف تُقتلع من جذورها في بساط العدالة المهدوية. إن مشاريع “الطاقة النظيفة” و”الاقتصاد الخالي من الربا”، التي ينظّر لها اليوم اقتصاديون مسلمون، هي في حقيقة الأمر تدريبات عملية وعملية تمهيدية لتلك الحكومة العدلية الشاملة.
مسؤوليتنا التاريخية؛ من السلبية إلى النصرة
وفي الختام، لا بد من التحدث بصراحة وصدق مع القارئ الكريم. هل سنظل مجرد متفرجين، نتابع انهيار نظام الاستكبار من وراء شاشات الهواتف؟ أم أننا سننزل إلى الميدان، ونضع أيدينا في أيدي قادة المقاومة، ونساهم في جيش التمهيد للظهور بقدر استطاعتنا؟ إن الجهاد التبييني، وتقوية اقتصاد المقاومة، وتربية جيل منتظرٍ بصيرٍ، والثبات في وجه الفتن العصرية، كلها واجبات شرعية وتاريخية على عاتق كل مؤمن منتظر. الإمام المهدي (عج) بحاجة إلى أنصار شجعان، مثابرين، واعين، وليس إلى أناس يفرون من مسؤولياتهم التاريخية بتلاوة الأدعية والزيارات فقط. فلنقطع العهد على أنفسنا بأن نبقى ثابتين في خنادق العلم والثقافة والسياسة والاقتصاد في هذا المنعطف الحساس من التاريخ، ولننادي بأعلى صوت: “نحن ننتظر، وكل يوم نكون أكثر استعداداً للظهور”. إن الأرض تعطش إلى العدل، ووعد الله قريب… لا محالة.