الغرب ومشروع «نهاية التاريخ»؛ لماذا وصلت الليبرالية إلى طريق مسدود؟
انهيار حلم عمره ۳۰ عاماً
في عام ۱۹۸۹، نشر فرانسيس فوكوياما، المفكر الأميركي من أصل ياباني، مقالاً مثيراً للجدل بعنوان «نهاية التاريخ؟» في مجلة «ناشونال إنترست»، ادّعى فيه أنه مع انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت الديمقراطية الليبرالية الغربية الشكل الأكمل والأخير للحكم البشري، وأنها المنتصر النهائي في التاريخ. وتنبأ بأن جميع المجتمعات البشرية، عاجلاً أم آجلاً، ستتجه نحو النموذج الغربي. وبعد ثلاثة عقود، في عام ۲۰۲۶، يشهد العالم واقعاً مختلفاً تماماً. فالليبرالية الغربية لم تصل إلى طريق مسدود فحسب، بل غرقت في أزمة عميقة ومتعددة الأوجه تهدد وجودها ذاته. من أزمة الهوية في أوروبا وأميركا، إلى انهيار النظام الاقتصادي النيوليبرالي، ومن فشل المشاريع الاستعمارية في الشرق الأوسط، إلى صعود القوى الصاعدة الشرقية التي تقدم نموذجاً مختلفاً للحكم. والآن يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل وصلت الليبرالية أخيراً إلى تلك «نهاية التاريخ» الوهمية التي وعد بها فوكوياما؟ وكيف يمهد هذا الانهيار لتحقق الوعد الإلهي بظهور المنقذ الموعود وحكومة العدل العالمية؟
فوكوياما ووهم «نهاية التاريخ»
لفهم عمق أزمة الغرب اليوم، لا بد أولاً من التعرف على الجذور النظرية لهذه الأزمة. ادّعى فوكوياما في كتابه الشهير «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» (۱۹۹۲) أنه مع انتصار الديمقراطية الليبرالية، «انتهى الصراع الأيديولوجي للبشرية»، وأن التحدي الرئيسي من الآن فصاعداً هو فقط «التنفيذ التقني» لهذا النظام. هذه النظرية، التي تضرب بجذورها في فلسفة هيغل وتفسير ألكسندر كوجيف لها، سرعان ما تحولت إلى «بيان» لنظام الهيمنة العالمي. تحدث جورج بوش الأب عن «النظام العالمي الجديد»، واستخدم المحافظون الجدد في أميركا (تشيني، وولفويتز، رامسفيلد) هذه النظرية لتبرير مشاريعهم العدوانية في الشرق الأوسط. لكن فوكوياما، في الكتاب نفسه، أغفل نقطة حيوية: الإنسان لا يشبع بالخبز والحريات الشكلية وحدها. إنه يحتاج إلى المعنى والعدالة والهوية والروحانية؛ احتياجات لا تملك الليبرالية أي إجابة عنها.
الأزمة الاقتصادية للنيوليبرالية؛ حين يلتهم ۱٪ كل شيء
أحد أهم مكونات أزمة الليبرالية في عام ۲۰۲۶ هو انهيار النظام الاقتصادي النيوليبرالي. النظام الذي بدأ في الثمانينيات بسياسات مارغريت تاتشر ورونالد ريغان، وقام على «تحرير السوق» و«الخصخصة» و«خفض الضرائب عن الأثرياء» و«إلغاء الحمايات الاجتماعية». واليوم، بعد أربعة عقود، أصبحت نتيجة هذه السياسات في أميركا وأوروبا واضحة تماماً: فجوة طبقية غير مسبوقة، وانهيار الطبقة الوسطى، وأزمة سكن، وأزمة صحية، وتزايد مقلق في التشرد. وتكشف الإحصائيات الرسمية في عام ۲۰۲۶ أن ۱٪ من الأثرياء في أميركا يسيطرون على أكثر من ۵۰٪ من الثروة الوطنية، بينما يعيش ۴۰ مليون أميركي تحت خط الفقر، و۳۰ مليوناً بلا تأمين صحي. وفي أوروبا أيضاً، أصبحت احتجاجات العمال الواسعة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا ظاهرة يومية. هذه هي بالضبط الأزمة التي تنبأ بها كارل بولاني، الاقتصادي المجري الكبير، في كتابه «التحول الكبير»: السوق الحرة غير المقيدة تدمر المجتمع نفسه.
أزمة الهوية وانهيار الأسرة في الغرب
لكن أزمة الليبرالية ليست اقتصادية فحسب. إن أعمق أزماتها قد وقعت في مجال الثقافة والهوية. فقد حطمت الليبرالية، بترويجها «الفردية المفرطة» و«النسبية الأخلاقية» و«الحرية الجنسية بلا قيود»، أسس الأسرة والمجتمع. وتُظهر الإحصائيات الرسمية في أوروبا وأميركا أن أكثر من ۵۰٪ من الزيجات تنتهي بالطلاق، وأن معدل المواليد انخفض إلى ما دون مستوى الإحلال، وأن ملايين البشر غارقون في الوحدة والاكتئاب. وقد وصف زيغمونت باومان، عالم الاجتماع البولندي، هذه الحالة في كتابه «الحداثة السائلة» بدقة بأنها «سيولة العلاقات الإنسانية». لكن الأعمق من ذلك هو الأزمة الروحية. فالإنسان الغربي، الذي وضع ثقته لقرون في «العقل الأداتي» و«العلم التجريبي»، يواجه اليوم فراغاً روحياً هائلاً. وتشير الإحصائيات المنشورة في عام ۲۰۲۶ إلى أن أكثر من ۴۰٪ من الشباب الأوروبي لا يلتزمون بأي دين أو أيديولوجية، وقد أدى هذا الضياع إلى أزمات نفسية وإدمان وانتحار.
فشل المشاريع الاستعمارية الغربية في الشرق الأوسط
أحد أكبر إخفاقات الليبرالية الغربية قد وقع في مجال السياسة الخارجية والمشاريع الاستعمارية. فمن غزو أفغانستان في ۲۰۰۱ والعراق في ۲۰۰۳، إلى التدخل في ليبيا في ۲۰۱۱ ودعم الحرب في سوريا واليمن، ادّعى الغرب أنه يسعى إلى «تصدير الديمقراطية» و«الحرية» إلى الشرق الأوسط. لكن نتيجة هذه المشاريع لم تكن سوى الدمار وتشريد ملايين البشر ونمو الجماعات الإرهابية وعدم الاستقرار الواسع. واليوم، في عام ۲۰۲۶، أُجبرت أميركا على الانسحاب من أفغانستان والعراق، وتراجع نفوذها في المنطقة بشكل حاد. هذا الفشل هو في حقيقته فشل نظرية «نهاية التاريخ»؛ لأنه أظهر أن الأمم المسلمة لا تبحث عن النموذج الغربي فحسب، بل تسعى إلى إحياء هويتها الدينية والحضارية. وهذه هي بالضبط الحقيقة التي أشار إليها القرآن الكريم: «يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (الصف: ۸).
صعود القوى الصاعدة وتحدي الهيمنة الغربية
إلى جانب الأزمات الداخلية للغرب، يُعد أحد أهم التطورات الجيوسياسية في عام ۲۰۲۶ صعود القوى الصاعدة وتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب. فقد تحولت مجموعة «بريكس» (BRICS)، التي تضم اليوم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا وإيران والسعودية ومصر والإمارات ودولاً أخرى، إلى قوة عظمى اقتصادية وسياسية، وتسعى علناً إلى تحدي هيمنة الدولار والنظام الغربي. كما تحولت منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) إلى تكتل أمني-اقتصادي قوي. هذه التطورات تعني نهاية عصر القطب الواحد الأميركي وبداية نظام جديد تقدم فيه القوى الشرقية نموذجاً مختلفاً للحكم والتنمية. ومن المثير للاهتمام أن صامويل هنتنغتون، المفكر الأميركي الشهير، تنبأ في كتابه «صدام الحضارات» (۱۹۹۶) بأن الصراع الرئيسي بعد الحرب الباردة سيكون بين الحضارات الغربية والإسلامية-الكونفوشيوسية. واليوم، يتحقق هذا التنبؤ، ولكن ليس لصالح الغرب.
الليبرالية ومشروع «النظام العالمي الجديد»؛ محاولة أخيرة للبقاء
في مواجهة هذه الأزمات المتعددة، تبنى الغرب استراتيجيتين رئيسيتين: ۱. تصعيد مشروع «النظام العالمي الجديد» (NWO)، و۲. الحرب الهجينة (Hybrid War) ضد القوى المعارضة. مشروع NWO، الذي تضرب جذوره في أفكار المؤسسات العالمية مثل «نادي روما» و«اللجنة الثلاثية» و«المنتدى الاقتصادي العالمي»، يسعى إلى إنشاء حكومة عالمية واحدة تحت هيمنة الكارتلات المالية والجمعيات السرية. الهدف النهائي لهذا المشروع هو إلغاء السيادات الوطنية، وإضعاف الأديان والهويات القومية، وإنشاء نظام عالمي قائم على «التحكم في السكان» و«الهندسة الاجتماعية». لكن عملياً، واجه هذا المشروع مقاومة شديدة من الأمم والدول المستقلة، وخاصة إيران وروسيا والصين ومحور المقاومة. أما الحرب الهجينة، التي تشمل أدوات مثل العقوبات الاقتصادية والحرب المعرفية والحرب السيبرانية والثورات الملونة ودعم الجماعات الإرهابية، فهي محاولة الغرب الأخيرة للحفاظ على هيمنته. لكن كما تنبأت الروايات الإسلامية، لن تنجح هذه المحاولات فحسب، بل ستمهد للانهيار النهائي لنظام الهيمنة وقرب ظهور المنقذ الموعود.
الطريق المسدود لليبرالية والوعد الإلهي بالظهور
الآن، يبرز السؤال الجوهري: لماذا يرتبط هذا الطريق المسدود لليبرالية بظهور الإمام المهدي (عج)؟ تكمن الإجابة في عدة محاور:
۱. إثبات عجز الأنظمة البشرية: أثبتت الليبرالية، باعتبارها أكثر الأنظمة الفكرية تطوراً للإنسان الحديث، أنها عاجزة عن تحقيق العدالة والروحانية والأمن الحقيقي للبشرية. وهذا العجز يدفع الفطر المستيقظة نحو البحث عن نظام إلهي ومنقذ سماوي.
۲. نمو الروحانية والعودة إلى الدين: تشير الإحصائيات إلى أنه في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد جائحة كورونا والأزمات الاقتصادية، اتجه ملايين البشر في الغرب نحو الروحانية والدين. وقد اعتنق كثيرون الإسلام بعد دراسة الأديان الإبراهيمية. هذه العودة إلى الفطرة تمهد لقبول المنقذ الموعود.
۳. تحقق علامات الظهور: تشير العديد من علامات الظهور، في الروايات الإسلامية، إلى «الظلم والجور الشامل» و«الفساد العالمي». واليوم، نشهد تحقق هذه العلامات في أعلى مستوياتها. ففساد الكارتلات الاقتصادي، وظلم نظام الهيمنة السياسي، والانحلال الأخلاقي في الغرب، وتدمير البيئة، كلها مصاديق لـ«الظلم الشامل» التي تهيئ الأرضية للظهور.
۴. تشكيل كتلة المقاومة العالمية: اليوم، وبفضل شبكات الاتصال ووسائل الإعلام المستقلة، تشكلت كتلة مقاومة عالمية ضد نظام الهيمنة، تمتد من إيران ومحور المقاومة إلى روسيا والصين وأميركا اللاتينية. هذه الكتلة هي نفسها «أنصار الإمام المهدي (عج)» الذين رفعوا راية العدالة ومكافحة الاستكبار في جميع أنحاء العالم.
مسؤوليتنا التاريخية؛ من السلبية إلى النصرة
في الختام، لا بد من القول بصراحة وصدق: نحن نقف في لحظة تاريخية. انهيار الليبرالية ليس نهاية، بل بداية. بداية عصر جديد يتحقق فيه الوعد الإلهي بالظهور. لكن هذا التحقق لا يمكن أن يحدث دون جهدنا ونضالنا. الإمام المهدي (عج) يحتاج إلى أنصار يثبتون في هذه الفترة الحساسة في خنادق العلم والثقافة والسياسة والاقتصاد. الجهاد التبييني، وفضح طبيعة نظام الهيمنة، وتقوية خطاب المقاومة، وتربية جيل منتظر، والإعداد الروحي والفكري للظهور – هذه واجبات تقع اليوم على عاتق كل مؤمن منتظر. فلنعقد العهد أن نكون إلى جانب جنود الإمام المهدي (عج) في هذه المعركة التاريخية، وأن نشارك في تحقيق الوعد الإلهي. اللهم عجّل لوليك الفرج.