النظام الاقتصادي الجديد؛ كيف يقضي الإمام المهدي (عج) على الكارتلات العالمية؟
النظام الاقتصادي الجديد؛ كيف يقضي الإمام المهدي (عج) على الكارتلات العالمية؟
حين يبلغ الفقر العالمي حافة الانفجار
تخيل أنك تعيش في عالم يسيطر فيه ۱٪ من السكان على أكثر من نصف ثروة الكوكب بأكمله. تخيل أن ملايين الأطفال ينامون كل ليلة جائعين، بينما تخزن كارتلات الأدوية والغذاء أطناناً من المواد الغذائية والدوائية في المخازن، وتمتنع عن طرحها في الأسواق للحفاظ على ارتفاع الأسعار. تخيل أن البنوك الدولية، بنظامها الربوي، قد أوقعت الدول الفقيرة في حلقة مفرغة من الديون، وتزيد يومياً من بؤسها وشقائها. هذه الصورة المرة ليست فيلماً من الخيال العلمي، بل هي واقع العالم اليوم. ولكن، هل لهذا الوضع نهاية؟ وهل يمكن للوعد الإلهي «يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا» أن يحطم هذا النظام الاقتصادي الشيطاني؟ في هذه المقالة، سنتناول أحد أكثر أبعاد الحكومة المهدوية إثارةً وأقلها تناولاً: النظام الاقتصادي الجديد وتفكيك الكارتلات العالمية.
الكارتلات؛ إمبراطوريات الثروة والفساد الخفية
الكارتل، في التعريف الاقتصادي، هو تحالف بين شركات مستقلة تتفق على التحكم في الأسعار، وتقييد الإنتاج، وتقسيم الأسواق. لكن الكارتلات العالمية تتجاوز هذا التعريف البسيط بكثير. فهي في حقيقتها حكومات ظل تجلس فوق الحكومات الرسمية، وتمسك بمصير مليارات البشر. كارتل النفط «أوبك» و«أوبك بلاس»، الذي يخضع لنفوذ الغرب وشركات النفط الكبرى مثل «إكسون موبيل» و«شل» و«بريتيش بتروليوم»، يحدد أسعار النفط ويلعب بالاقتصاد العالمي. وكارتلات الأدوية مثل «فايزر» و«موديرنا» و«أسترازينيكا»، التي حققت مليارات الدولارات أثناء جائحة كورونا، تهدد اليوم حياة الملايين في الدول الفقيرة من خلال احتكار إنتاج اللقاحات والأدوية.
ولكن ربما يكون أخطر كارتل عالمي هو الكارتل المصرفي والمالي. فمؤسسات مثل «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، و«البنك الدولي»، و«صندوق النقد الدولي»، التي تأسست ظاهرياً لمساعدة الدول النامية، هي في باطنها أدوات استعمارية للهيمنة على اقتصادات الأمم. تفرض هذه المؤسسات سياسات التقشف والخصخصة وخفض الدعم، فتُقيّد الدول الفقيرة بسلاسل الديون وتنهب مواردها. يكشف جون بيركنز، الاقتصادي الأميركي، في كتابه الفاضح «القاتل الاقتصادي»، كيف صممت هذه المؤسسات في العقود الماضية فخاخاً اقتصادية معقدة لدول مثل الإكوادور وبنما وإندونيسيا، ثم أطاحت بحكوماتها المستقلة عبر الانقلابات أو الضغوط السياسية.
الربا؛ مصدر كل الفساد الاقتصادي
في قلب النظام الاقتصادي الاستكباري، يكمن عنصر شؤم: الربا. فالربا في الثقافة الإسلامية ليس مجرد كبيرة من الكبائر، بل هو حرب شاملة على العدالة الاقتصادية. يقول الله تعالى في القرآن الكريم، في الآية ۲۷۹ من سورة البقرة: «فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» (فإن لم تفعلوا فاعلموا أن الله ورسوله يحاربانكم). هذا التعبير غير المسبوق يدل على عمق فساد الربا. النظام المصرفي الغربي مبني على الربا. فالبنوك، بأخذها فوائد طائلة على القروض، تنقل الثروة من الفقراء إلى جيوب الأغنياء وتوسع الفجوة الطبقية. والتضخم، الذي يخنق العالم اليوم، هو نتيجة مباشرة للنظام الربوي. فطباعة النقود بلا حساب من قبل البنوك المركزية لدفع فوائد الديون، تُسقط قيمة العملات الوطنية وتحول حياة الناس العاديين إلى جحيم.
الوعد الإلهي؛ تفكيك كل البنى الاقتصادية الظالمة
في الروايات الإسلامية، وُصفت خصائص اقتصادية واضحة جداً لعصر ظهور الإمام المهدي (عج). وأهم هذه الخصائص هي إقامة العدالة الاقتصادية الكاملة. يقول الإمام الصادق (ع): «إذا قام قائمنا ملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً» (بحار الأنوار، ج ۵۲، ص ۲). وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: «في حكومة المهدي (عج)، حتى أفقر الناس ينالون نصيبهم من العدالة الاقتصادية، ولا يبقى أحد في فقر وحاجة». هذا الوعد ليس أمنية بعيدة المنال، بل هو سنة إلهية حتمية.
ولكن كيف سيفكك الإمام المهدي (عج) هذه الكارتلات العالمية التي حكمت العالم لسنوات، ويقيم نظاماً اقتصادياً جديداً؟ تكمن الإجابة في عدة محاور رئيسية:
۱. تفكيك النظام الربوي وإعادة الاقتصاد إلى فطرته: أول وأهم إجراء للإمام المهدي (عج) هو الإزالة الكاملة للربا من جميع المعاملات الاقتصادية. فمن خلال إقامة نظام اقتصادي قائم على «المضاربة» و«المشاركة» و«القرض الحسن»، يوزع رأس المال في المجتمع كله بدلاً من تركيزه في أيدي عدد قليل من البنوك الكبرى. ونتيجة لذلك، تختفي الفجوة الطبقية ويستفيد جميع الناس من الثروة والرفاه.
۲. كسر احتكار الكارتلات وتحرير الاقتصاد: الإمام المهدي (عج)، متكئاً على قوته الإلهية وعدالته المطلقة، يحطم احتكار كارتلات النفط والأدوية والغذاء والسلاح. ومن خلال سن قوانين عادلة، لا يسمح لفئة معينة بالسيطرة على السوق وتكديس الثروة على حساب جوع ملايين البشر.
۳. التوزيع العادل للثروة وإقامة الرفاه الشامل: في الحكومة المهدوية، توضع جميع الموارد الطبيعية والثروات العامة كأمانة إلهية تحت تصرف جميع الناس. ويقوم الإمام (ع)، متكئاً على علمه اللدني، بتوزيع الموارد بشكل أمثل وعادل. فتُعمَّر الأراضي البور، وتُسخَّر الصناعات لخدمة رفاه البشر، ولا يبقى إنسان في فقر وحاجة. وفي ذلك الزمان، وكما قال أمير المؤمنين (ع): «يعيش أفقر الناس كأغنى الناس».
۴. إحياء اقتصاد المقاومة واكتفاء الأمم الذاتي: في عصر الظهور، لم تعد الأمم تعتمد على الكارتلات العالمية. فكل دولة، متكئة على قدراتها الداخلية وعلمها المتقدم، تنتج احتياجاتها بنفسها. ونتيجة لذلك، يختفي تماماً التبعية الاقتصادية، التي تعد أحد أدوات الاستكبار للهيمنة على الأمم.
تجلي الوعد الإلهي في الآيات والروايات
يشير القرآن الكريم في آيات عديدة إلى تحقق العدالة الاقتصادية في عصر الظهور. في الآية ۱۰۵ من سورة الأنبياء: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ» (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون). هذه الآية تظهر بوضوح أن حكومة العدل المهدوية هي نهاية هيمنة الظالمين وبداية عصر الرفاه والعدالة للصالحين.
وفي رواية عن النبي الأكرم (ص): «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً» (مسند أحمد). هذه الرواية وعد قاطع وحتمي بتفكيك كل البنى الاقتصادية الظالمة وإقامة نظام جديد قائم على العدالة.
واجبنا؛ الانتظار الفعّال في الساحة الاقتصادية
ولكن ما هو واجبنا تجاه هذا الوعد العظيم؟ هل يمكننا أن نجلس مكتوفي الأيدي وننتظر مجيء الإمام المهدي (عج) ليفكك كل الكارتلات العالمية؟ أبداً! الانتظار الفعّال يعني السعي لتهيئة الأرض لتحقق ذلك الوعد الإلهي. اليوم، اقتصاد المقاومة، وتقوية الإنتاج المحلي، ومكافحة الفساد الاقتصادي، ودعم العمال والضعفاء، ونشر ثقافة القرض الحسن والمضاربة، كلها خطوات نحو إعداد المجتمع لدخول النظام الاقتصادي المهدوي.
فلنقتدِ بسيرة أهل البيت (ع) وأنصار الإمام المهدي (عج)، ونعمل في الساحة الاقتصادية كجنود لذلك الحضرة. من خلال فضح فساد الكارتلات العالمية، ودعم الإنتاج المحلي، وتعزيز العدالة الاقتصادية، وتجنب الربا، فلنسر في طريق تحقيق الوعد الإلهي. عسى أن نكون في ركابه، شركاء في تحقيق «الاقتصاد العالمي العادل».
اللهم ارزقنا رزقاً حلالاً طيباً، وعجّل في فرج مولانا صاحب الزمان (عج).