بيت المقدس والظهور؛ لماذا تُعدّ القدس مركز المعركة النهائية بين الحق والباطل؟
المدينة التي خاطت السماوات مع الأرض
من بين جميع مدن العالم، لم ترتبط أي مدينة بعمق مقدس وتاريخي وسياسي وأخروي مثل مدينة «القدس» (بيت المقدس). فهي المدينة الأقدس على وجه الأرض عند اليهود والمسيحيين والمسلمين على حد سواء. مدينة وقف فيها النبي إبراهيم (ع) للعبادة، وحكم فيها النبي داود (ع)، وبنى فيها النبي سليمان (ع) الهيكل، وصعد منها النبي عيسى (ع) إلى السماء، ومنها عرج النبي الأكرم (ص) إلى السماوات في رحلة المعراج. ولكن اليوم، في عام ۲۰۲۶، تحولت هذه المدينة المقدسة إلى مركز أزمة غير مسبوقة. فمن جهة، يسعى الكيان الصهيوني بدعم أميركي غير مشروط إلى تهويد المدينة بالكامل وهدم المسجد الأقصى. ومن جهة أخرى، يعتبر محور المقاومة الإسلامية، من إيران إلى اليمن ولبنان، هذه المدينة قلب النضال النابض ضد الاستكبار. والسؤال الجوهري هنا: لماذا احتلت القدس هذه المكانة المحورية في الروايات الأخروية؟ وكيف ستتحول هذه المدينة إلى ساحة المعركة النهائية بين الحق والباطل قبل ظهور المنقذ الموعود؟
مكانة بيت المقدس في القرآن والروايات الإسلامية
ذكر القرآن الكريم، في الآية الأولى من سورة الإسراء، بيت المقدس بوضوح وسماه «المسجد الأقصى»: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ» (الإسراء: ۱). هذه الآية لا تروي معجزة الإسراء فحسب، بل تثبّت المكانة الخاصة للمسجد الأقصى بوصفه «أرضاً مباركة». وقد رأى المفسرون الكبار، ومنهم العلامة الطباطبائي في «الميزان»، أن هذه البركة تشمل البركات المادية والمعنوية والتاريخية والأخروية.
أما في روايات أهل البيت (ع)، فإن مكانة بيت المقدس تتجاوز بكثير مجرد مكان مقدس. ففي المصادر الشيعية المعتبرة، ومنها «بحار الأنوار» للعلامة المجلسي، و«كمال الدين» للشيخ الصدوق، و«الغيبة» للشيخ الطوسي، يُعرَّف بيت المقدس بأنه أحد الأماكن الثلاثة التي أولتها العناية الإلهية أكبر اهتمام. يقول الإمام الصادق (ع) في رواية: «اختار الله تعالى من البقاع ثلاثة: مكة والمدينة وبيت المقدس». والأكثر إثارة للدهشة هو الارتباط العميق بين بيت المقدس وظهور الإمام المهدي (عج). فقد ورد في روايات كثيرة، ومنها الروايات المتعلقة بـ«السفياني» و«المعركة النهائية»، أن بيت المقدس هو آخر معاقل الباطل وأول مكان تُرفع فيه راية الحق.
السفياني والزحف نحو بيت المقدس؛ نبوءة تتحقق
في الروايات الإسلامية، يُعرَّف «السفياني» بأنه أحد العلامات الحتمية للظهور. ووفقاً للروايات الواردة في «الفتن» لنعيم بن حماد و«بحار الأنوار»، فإن السفياني بعد سيطرته على الشام (سوريا اليوم)، يرسل جيشاً عظيماً نحو بيت المقدس. ولكن في منتصف الطريق، في منطقة «البيداء» (بين مكة والمدينة)، يُخسف بجيشه في الأرض ويُدمَّر. هذه الرواية، التي نُقلت في المصادر الشيعية والسنية بالتواتر، تدل على الدور المحوري لبيت المقدس في معارك آخر الزمان.
واليوم، في عام ۲۰۲۶، نشهد التحقق التدريجي لهذه النبوءة. فالكيان الصهيوني، الذي يعتبره العديد من العلماء المعاصرين مصداقاً لـ«السفياني»، بدعم أميركا والغرب، لم يرتكب المجازر غير المسبوقة في بيت المقدس فحسب، بل في جميع الأراضي المحتلة. من هدم المسجد الأقصى وتهويد المدينة، إلى الإبادة الجماعية في غزة والضفة الغربية، كلها تدل على المحاولة الباطلة للسيطرة الكاملة على هذه الأرض المقدسة. ولكن كما وعد القرآن الكريم: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ» (الأنبياء: ۱۰۵).
بيت المقدس في الأديان الإبراهيمية؛ انتظار مشترك لمنقذ
من الجدير بالملاحظة أن انتظار ظهور المنقذ يرتبط ببيت المقدس ليس في الإسلام فحسب، بل في اليهودية والمسيحية أيضاً. فاليهود ينتظرون «الماشيح» (المسيح الموعود) الذي سيظهر في بيت المقدس ويبني الهيكل الثالث. والمسيحيون ينتظرون «عودة المسيح» الذي سيهبط على جبل الزيتون في بيت المقدس ويقيم ملكوت الله. والمسلمون ينتظرون ظهور الإمام المهدي (عج) الذي سيصلي مع النبي عيسى (ع) في بيت المقدس ويقيم حكومة العدل العالمية.
هذا الانتظار المشترك يدل على حقيقة عميقة: بيت المقدس، ليس للمسلمين فقط، بل للبشرية جمعاء، هو رمز المعركة النهائية بين الحق والباطل. فقد ورد في الروايات الإسلامية أن الإمام المهدي (عج) بعد ظهوره، يذهب أولاً إلى مكة ثم يأتي إلى بيت المقدس. وهناك، ينزل النبي عيسى (ع) من السماء ويصلي خلف الإمام (عج). هذه الرواية، المنقولة في «صحيح مسلم» و«بحار الأنوار»، تدل على الوحدة النهائية للأديان الإلهية في بيت المقدس.
الصهيونية ومشروع هدم المسجد الأقصى؛ مخطط شؤم سيفشل
من أهم مؤامرات الصهيونية العالمية هدم المسجد الأقصى وبناء «الهيكل الثالث» على أنقاضه. وقد سعت جماعات يهودية متطرفة، مثل «غوش إيمونيم» و«بيت أوروت»، بدعم مالي من مليارديرات صهاينة، لسنوات لتنفيذ هذا المشروع الشؤم. وهم يعتقدون أن بهدم المسجد الأقصى، سيظهر «الماشيح». ولكن هذه المؤامرة لن تتحقق فحسب، بل حسب الروايات، ستمهد للانهيار النهائي للكيان الصهيوني وظهور المنقذ الموعود.
ورد عن الإمام الباقر (ع): «إذا قام قائمنا، توجه إلى بيت المقدس ورفع فيه راية الحق. وفي ذلك اليوم، تتحد الأمة الإسلامية جمعاء تحت قيادته». هذه الرواية تدل على الدور المحوري لبيت المقدس في تحقيق الوعد الإلهي بالظهور.
دور محور المقاومة وإيران في تحرير بيت المقدس
اليوم، في عام ۲۰۲۶، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة، بقيادة الإمام الخامنهاي الحكيمة (دام ظله)، حاملة لواء النضال لتحرير بيت المقدس. فمن دعم حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، إلى دعم حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن، كلها تشكلت في سبيل هدف مقدس واحد: تحرير بيت المقدس والتمهيد لظهور المنقذ الموعود.
وقد أكد قائد الثورة في خطاباته مراراً: «قضية فلسطين هي القضية الأولى للعالم الإسلامي. نحن نعتقد أن بيت المقدس هو القبلة الأولى للمسلمين ويجب تحريره». هذه النظرة ليست شعاراً سياسياً، بل اعتقاد ديني عميق يضرب بجذوره في القرآن والروايات. وقد تحملت إيران الإسلامية، متكئة على هذا الاعتقاد، تكاليف باهظة؛ من العقوبات الظالمة إلى اغتيال العلماء النوويين والقادة العسكريين. ولكن هذا الإيثار هو خطوة في طريق تحقيق الوعد الإلهي: «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» (القصص: ۵).
بيت المقدس ومستقبل العالم؛ من المعركة النهائية إلى السلام العالمي
في ختام هذا التحليل، يمكن الاستنتاج أن بيت المقدس ليس مجرد مدينة مقدسة، بل هو مركز المعركة النهائية بين الحق والباطل. فقد شهدت هذه المدينة عبر التاريخ صعود الإمبراطوريات وسقوطها، والحروب الصليبية، والاحتلال الصهيوني، والانتفاضات الشعبية. ولكن اليوم، على عتبة ظهور المنقذ الموعود، أصبح بيت المقدس ساحة المعركة الرئيسية. معركة يقف في أحد طرفيها جبهة الاستكبار والصهيونية العالمية، وفي الطرف الآخر جبهة الحق والمقاومة الإسلامية.
يقول القرآن الكريم في الآية ۲۰ من سورة الفتح: «وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ». هذه الآية وعد لجميع المسلمين بأن بيت المقدس سيُحرَّر في النهاية وستُرفع راية الحق فوقه. ولكن هذا الوعد لا يتحقق دون جهد وجهاد ومقاومة. وكما قال الإمام الخميني (ره): «القدس هي القبلة الأولى للمسلمين ويجب تحريرها».
فلنقف نحن أيضاً في هذه المعركة التاريخية إلى جانب جنود الإمام المهدي (عج). ومن خلال الجهاد التبييني، ودعم محور المقاومة، وتربية جيل منتظر، فلنمهد الطريق لتحقيق الوعد الإلهي بتحرير بيت المقدس وظهور المنقذ الموعود. اللهم عجّل لوليك الفرج، وانصرنا على القوم الظالمين.