رسالة إلى الإمام المهدي | من الانتظار إلى العدالة

سيدي، رسالةٌ كُتِبت بدم القلب

سلامٌ من أعماق الحلق

سيدي، السلام عليك.

هذا ليس السلامَ البروتوكولي الذي يُكتب في مستهلّ الرسائل. هذا سلامٌ يصعد من أعماق حلقي، من مكانٍ يعشّش فيه غصّةٌ منذ سنوات. سلامٌ تفوح منه رائحة الشاي الذي أعدّته أمي، ويُشبه تنهيدة أبي التي يرسلها إلى السماء كل ليلة خلف النافذة.

لا أريد في هذه الرسالة أن أتفلسف مثل بعض المثقفين، أو أن أنشد الشعر مثل المنشدين. أريد أن أتكلّم ببساطة وصراحة، مثل طفلٍ فقد يدَ أبيه. لأنك أنت أبُ أيتام هذه الأرض — ونحن، والله، أكثر جيلٍ يتمٌ في التاريخ.

سيدي، نحن نريد فرجك. لا مجرّد راحتنا. نحن نطلب من الله أنت — لا مجرّد راحتنا. أكتب هذا من البداية لتعلم أن هذه الرسالة ليست رسالة مصلحة. إنها رسالة عشق.


ماذا يعني الانتظار هذه الأيام؟

سيدي، الانتظار ليس مجرّد الجلوس على سجّادة الصلاة وقراءة دعاء الندبة.

الانتظار يعني عندما يرتفع سعر الدولار، يهبط قلبي وترتجف يدي.
الانتظار يعني في أول الشهر، عندما أوقّع عقد الإيجار، أحدّق في الجدار وأسأل نفسي: «هل أنا أعيش، أم أنا فقط أبقى حياً؟»
الانتظار يعني شيخاً كبيراً براتب تقاعدي زهيد، يحاول أن يقرّر: هل يشتري الدواء أم الطعام؟
الانتظار يعني شاباً يحمل شهادتين جامعيتين، عند إشارة المرور، يعلّق على صدره لافتة «أعمل أي شيء»، ولا أحد ينظر إليه.
الانتظار يعني أماً تبكي بهدوء فوق طفلها النائم ليلاً، وتوقظه بابتسامة في الصباح.

والأسوأ من عدم امتلاك أي شيء هو الوحدة. انظر إلى الشوارع — مليئة بالبيوت المضاءة وسكانٍ بلا نورٍ في الداخل. الجيران لا يعرفون بعضهم. عندما يُفتح باب المصعد، يدفن كلّ واحدٍ رأسه في هاتفه حتى لا يضطرّ للنظر.

سيدي، هذه المدينة مثل جسدٍ ميتٍ ألبسوه ثياباً جديدة.


هناك، نارٌ ودم

سيدي، هل رأيت لبنان؟

لبنان، تلك القطعة الصغيرة من المقاومة، تحت النار والحديد. انهارت البيوت، والأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات بلا دواء ولا كهرباء. شعبٌ رفع رأسه عالياً لسنوات، والآن تحت قنابل أمريكية وإسرائيلية الصنع، بالكاد يتنفّس.

وإيران، الأخت الكبرى للبنان، جريحة ومحاصرة بالعقوبات، يداها فارغتان ولكن قلبها ممتلئ. ترسل شبابها، وتُبكي أمهاتها، وفي الليل في المساجد تدعو بالنصر.

سيدي، نحن نشاهد من خلف شاشات الهواتف. تأتي الصورة، تهتز، تنقطع. وبعد ثوانٍ تعود لتتصل — وكأن الحقيقة نفسها لم تعد تحتمل المشاهدة.

نتوضّأ هنا، ونصلّي، وندعو لهم. لكن في أعماقنا نعلم: الدعاء لا يحلّ محلّ القنبلة. يدٌ واحدة فقط يمكنها أن تحلّ محلّ القنبلة. يدك أنت.

سيدي، القنابل لا تعرف بيتاً ولا مدرسة ولا مستشفى. هذا العالم مدينٌ بنفسٍ واحدٍ من العدالة منذ سنوات.


المستكبرون والكذبة الكبرى للحضارة الغربية

سيدي، هذه الأيام يتحدّث الجميع عن «الحضارة الغربية». لكن من خلف المكاتب الخشبية في البيت الأبيض، لم ترسل لنا هذه الحضارة إلا شيئين: القنابل والبلوتوث.

أمريكا وأوروبا، اللتان تسمّيان نفسيهما نصيرتَي الحرية وحقوق الإنسان، تشعلان الشرق الأوسط بالنار ثم تشاهدان من الجانب الآخر من العالم بكوب قهوة. عندما يموت طفل في غزة أو لبنان، هنّ مشغولتان بـ«النفط» و«الصفقات». سيدي، هؤلاء هم نفسهم الذين يدّعون الحضارة لكنهم رهنوا ضميرهم في البنوك السويسرية منذ سنوات.

والأسوأ منهم هم عملاؤهم في هذه المنطقة: حكّام مرتزقة، علمانيون مفتونون بالغرب، مثقفون مفلسون ينسون هويتهم كلها بتذكرة تأشيرة واحدة ويصرخون من أجل «الحرية» في لندن وباريس، لكنهم لا يسمعون صوت المظلومين في غزة.

سيدي، هؤلاء هم نفسهم الذين أسماؤهم على الورق «حلفاء»، لكنهم في قلوبهم عدوّ صامت. لسنوات، بمال النفط والوعود الكاذبة، يبتلعون هذه الأرض.


الأزمات الاجتماعية؛ بيتٌ يحترق من الداخل

سيدي، نحن نُقصف من الخارج، لكننا أيضاً نحترق من الداخل.

الربا مثل فأر يزحف تحت جدار اقتصاد هذا البلد. البنوك التي كان يجب أن تكون خادمة أصبحت شفرة. القروض الفلكية ذهبت إلى الناس الذين لم يحتاجوها أبداً؛ والفلاح والعامل والموظف انحنوا تحت فوائد قاتلة. سيدي، هذا الربا ليس مجرّد رقم؛ إنه دم ينزف من وريد الأمة.

القمار، بأسماء جميلة، عشّش في جيوب شبابنا. الألعاب الإلكترونية، المراهنات، مواقع التوقّعات، أموال تخرج من موائد العائلات وتذهب إلى جيوب أصحابها في الجانب الآخر من العالم. سيدي، هذه الأشياء تأكل أرواح شبابنا ونحن نشاهد فقط.

التبذّل جرحٌ يزداد عمقاً كل يوم. الحجاب ليس مجرّد قطعة قماش؛ الحجاب هو الحدّ المقدّس للمجتمع. عندما تأتي، ستُعيد هذا الحدّ. سيدي، نحن نخجل من التبذّل — ليس لأن أحداً أجبرنا، بل بدافع الحب. بدافع الشرف.

الفساد الأخلاقي دخل بيوتنا عبر الهوائيات والإنستغرام. أبناؤنا وبناتنا، بدلاً من اتخاذ السيدة فاطمة والإمام علي قدوةً، يتبعون المشاهير والمدونين — الذين يروّجون للمال والشهرة والانحلال. كل صباح، يستيقظ شابنا على منشور جديد وينام على حزن جديد. سيدي، هؤلاء هم لصوص إيمان أطفالنا الصامتون.

القمار، المراهنات، الإنستغرام، تويتر، الشبكات الإباحية — كل هذه لها هدف واحد: إفراغ بيوتنا من الإيمان والحياء والشرف. والأسوأ من كل ذلك، إيران إنترناشيونال وتلك الشبكات الفضائية التي، بمال سعودي وصهيوني، تعمل ليلاً ونهاراً لبثّ الفرقة وغسل أدمغة شبابنا. سيدي، هؤلاء كلهم جنود العدو — بلا أسلحة؛ بالمال والصور والفساد.

تمشية الكلاب أصبحت علامة على الترف وانعدام الشرف. امرأة تحمل كلباً في ذراعيها بدلال، لكنها لا تنظر إلى طفلٍ يتسوّل تحت الشمس. سيدي، هذه علامات مجتمع مريض — مجتمع انقلبت قيمه رأساً على عقب.

الاستهلاكية والترف حلّا محلّ القناعة والبساطة. الكذب والنفاق حلّا محلّ الصدق والوفاء. وكل هذا، في ظلّ غفلتنا، ترسّخ ببطء.

سيدي، كل هذا جانب؛ ولامبالاتنا هي الجانب الآخر.


حتى السماء حزينة

سيدي، هذه الأيام حتى التنفّس أصبح تمريناً على الموت.

الهواء ثقيل لدرجة أن السماء فقدت زرقتها. نتنفّس عبر الكمامات في الشتاء، وعبر صمت انقطاع الكهرباء في الصيف. عندما يُقطع الماء، تأتي الصهاريج، ويأتي الصبر، وأفهم أن حتى الماء يمكن أن يكون أمنية.

الأرض تهتز. ثوانٍ قليلة، ثوانٍ بلا رحمة. ثم نحسب كم بيتاً بقي وكم إنساناً لم يبقَ. ونقول فقط: «الله يرحم.» سيدي، قول هذا أسهل من ما يجب أن نفعله.

البحيرات جفّت، والآبار نضبت، والغابات احترقت، ونحن نشاهد فقط — مثل متفرّجين على فيلمٍ واثقين أن بيتهم ليس في خطر.

سيدي، حتى التراب لم يعد يتحمّلنا.


الظهور يعني أن تتنفّس العدالة

سيدي، أنا لا أريد مجرّد مجيئك؛ أريد أن أتنفّس بك.

عندما تأتي، تتنفّس العدالة.
عندما تأتي، تُملأ الأيدي الفارغة، وتُفرَغ الأيدي الممتلئة من الجشع.
عندما تأتي، يختفي الربا وتتّخذ القروض لوناً إنسانياً.
عندما تأتي، تبني البنوك بيوت الناس بدلاً من أبراج الترف.
عندما تأتي، تنظر بناتنا إلى السيدة فاطمة (ع) بدلاً من المشاهير.
عندما تأتي، يلجأ شبابنا إلى القرآن والمسجد بدلاً من القمار والإنستغرام.
عندما تأتي، لا يفقد رجالنا شرفهم ولا نساؤنا حياءهن.
عندما تأتي، تُسكَت إيران إنترناشيونال وشبكات الفساد.
عندما تأتي، تتنفّس غزة ولبنان، وتنحني أمريكا وإسرائيل.
عندما تأتي، يركع المستكبرون في العالم أمام عدلك.
عندما تأتي، لا تنادي الأمهات أسماء أطفالهن تحت الأنقاض.
عندما تأتي، يعرف الجار جاره.
عندما تأتي، لا تصغر الموائد؛ تكبر القلوب.

سيدي، دعني أقول شيئاً بوضوح: نحن لا نستحقك. نحن نفس الذين ندعو لأنفسنا كل ليلة وفي الصباح، على الخبز والأنصبة، نطرح أخانا أرضاً. نحن نفس الذين نناديك في الدعاء وفي العمل نستبدلك بمصالحنا. لكنك ما زلت تتعامل معنا. أنت قلت ذلك بنفسك؛ نحن فقط أفرغنا أيدينا حتى تملأها.


الانتظار ليس مجرّد بكاء

سيدي، أريد أن أقدّم التزاماً، لا شكوى:

من اليوم، إن كنت منتظراً، فيجب أن أكون عادلاً.
إن كنت منتظراً، فلا يجب أن أكذب.
إن كنت منتظراً، فلا يجب أن آكل الربا.
إن كنت منتظراً، فلا يجب أن أضيّع حياتي في القمار والمراهنات.
إن كنت منتظراً، فلا يجب أن تتبع عيناي المشاهير والمدونين.
إن كنت منتظراً، فلا يجب أن تكون صفحتي على الإنستغرام مرآة للفساد.
إن كنت منتظراً، فلا يجب أن آخذ مكان شيخ كبير في الصف.
إن كنت منتظراً، فلا يجب أن أتجاهل جاراً محتاجاً.
إن كنت منتظراً، فلا يجب أن أكون غير مبالٍ عندما تُنتهك كرامة مسلم.
إن كنت منتظراً، فيجب أن أبني؛ لا أن أدعو فقط.

الانتظار ليس بكاءً في الليل؛ الانتظار بناء الصباح.


تعال

سيدي، الأرض تسمع الخطى منذ سنوات.
شيخ يكوي ثيابه كل جمعة ويقول: «ربما يأتي اليوم.»
أم تقف عند النافذة كل ليلة وتقول: «ربما يأتي صوته اليوم.»

تعال يا صباح بعد كل هذه الليالي.
تعال يا صوت خطوات ينتظرها البحر والصحراء.
تعال يا يوسف، فبدونك هذه الآبار مليئة بالإخوة الحاسدين.
تعال يا صاحب تلك اليدين التي يجب أن تأخذا الأيدي الفارغة فقط.
تعال يا عدالة التاريخ المفقودة.
تعال يا صرخة مظلومي غزة ولبنان.
تعال يا هازم المستكبرين.
تعال يا ماحي الربا والفساد والقمار والتبذّل.

فقط تعال. سنأتي نحن أيضاً — بأيدينا المرتجفة وإيماننا الصغير.

دع العالم يفهم أن «المهدي» ليس مجرّد اسم.
إنه خلاص.
اسم لكل الأيام بلا اسم في التاريخ.

اللهم عجّل لوليك الفرج.

يا مهدي (عج).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى