حروب آخرالزمان؛ من هرمجدون إلى المعركة مع السفياني

حروب آخرالزمان؛ من هرمجدون إلى المعركة مع السفياني

طبول الحرب أم جرس الصحوة؟

في زاوية من الشرق الأوسط، في أرض شهدت آلاف السنين من الحروب الدامية، يتردد صدى الانفجارات من جديد. من غزة إلى لبنان، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، ومن أوكرانيا إلى تايوان، يبدو أن العالم قد تحول إلى ساحة معركة واسعة. تتحدث وسائل الإعلام الغربية بحماس عن «هرمجدون» (Armageddon)، ويشير بعض السياسيين إلى نبوءات الكتاب المقدس، معتبرين أنفسهم على عتبة المعركة النهائية بين الخير والشر. ولكن، هل هذه الحروب هي حقاً حروب آخر الزمان التي ورد ذكرها في الروايات الإسلامية؟ وهل «هرمجدون» هي نفسها «المعركة مع السفياني»؟ والأهم من ذلك كله، ما هو واجب المنتظر الحقيقي في خضم هذه العاصفة من النار والدم؟

هرمجدون؛ نبوءة كتابية أم مشروع سياسي؟

كلمة «هرمجدون» مشتقة من العبرية «هار مجيدو» (Har Megiddo)، وتعني «جبل مجيدو»؛ وهو موقع في أرض فلسطين المحتلة، حددته سفر الرؤيا (الفصل ۱۶، الآية ۱۶) كمكان المعركة النهائية بين قوى الخير والشر. وفي التفسيرات الصهيونية-المسيحية، تُفهم هذه المعركة على أنها المواجهة النهائية بين «إسرائيل» وأعدائها، والتي تنتهي في النهاية بانتصار المسيح وإقامة ملكوت الله.

ولكن الحقيقة المرة هي أن هذا التفسير المحرّف قد أصبح أداة لتبرير جرائم الكيان الصهيوني. فجماعات المسيحيين الصهاينة في أميركا، مثل «المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل»، تنفق ملايين الدولارات لدعم الاستيطان وإشعال الحروب في فلسطين، بزعم «التمهيد لعودة المسيح». هذا هو بالضبط «هرمجدون» الذي لعب دوراً محورياً في السياسات العدوانية للمحافظين الجدد الأميركيين (مثل بول وولفويتز وديك تشيني) في غزو العراق وأفغانستان.

السفياني؛ المسيح الدجال السياسي في آخر الزمان

في الجهة المقابلة، تقدم الروايات الإسلامية صورة أكثر دقة وعمقاً لحروب آخر الزمان. الشخصية المحورية في هذه الحروب هي شخص يدعى «السفياني». في كتاب «الفتن» لنعيم بن حماد و«بحار الأنوار» للعلامة المجلسي، يُعرَّف السفياني بأنه رجل من نسل أبي سفيان، يخرج من منطقة الشام (سوريا وما حولها)، ويسيطر على دمشق ثم العراق، ويرسل جيوشاً إلى الحجاز، وفي النهاية يُخسف بجيشه في منطقة «البيداء» (بين مكة والمدينة).

يقول الإمام الصادق (ع) في رواية: «خروج السفياني من المحتوم». ولكن من هو السفياني؟ هل هو شخص أم تيار؟ يرى العديد من العلماء المعاصرين، بالنظر إلى القرائن الروائية، أن السفياني هو رمز للاستكبار العالمي والصهيونية الذين يسعون للهيمنة على العالم الإسلامي بالقوة العسكرية والإعلامية. والكيان الصهيوني المدعوم من أميركا هو اليوم التجسيد الأوضح لهذا التيار؛ كيان ارتكب مجازر بحق الأطفال ودمر المستشفيات، ليكشف عن وجهه الحقيقي للعالم أجمع.

مطابقة حروب اليوم مع الروايات الأخروية

إذا نظرنا بعمق إلى الروايات، نجد أن علامات حروب آخر الزمان تتحقق اليوم واحدة تلو الأخرى. فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: «يَظْهَرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ… قَوْمٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الدُّنْيَا…» (في آخر الزمان تظهر أقوام تقاتل من أجل الدنيا). وفي موضع آخر: «وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ وَالْمَرْجُ» (تكثر الفتنة والاضطراب).

فلنطابق:

۱. حرب غزة ولبنان: معركة يرتكب فيها الكيان الصهيوني، بدعم غربي شامل، جرائم حرب، بينما يقف محور المقاومة ضده بكل قوته. هذه هي «معركة الحق والباطل» التي تسبق ظهور الإمام المهدي (عج).

۲. الحرب الروسية الأوكرانية: صراع أشعلت فيه أميركا والناتو، بتحريض روسيا، نار الحرب في قلب أوروبا. هذه الحرب لم تدمر أوكرانيا فحسب، بل دفعت اقتصاد أوروبا إلى حافة الهاوية.

۳. توترات البحر الأحمر ومضيق هرمز: أنصار الله في اليمن، من خلال هجماتهم على السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني، تحدّوا الأمن البحري العالمي وحطموا هيبة أميركا في المنطقة.

كل هذه علامات وردت في الروايات تحت مسمى «فتن آخر الزمان».

دور إيران ومحور المقاومة؛ جنود الإمام المهدي (عج) المجهولون

في خضم هذه الاضطرابات، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بقيادة الإمام الخامنه‌اي الحكيمة (دام ظله)، حاملة لواء المقاومة ضد جبهة الاستكبار. لم تدافع إيران عن كيانها فحسب، بل بدعمها لمحور المقاومة – من فلسطين إلى اليمن، ومن لبنان إلى سوريا – تؤدي عملياً دور «الممهّدين للظهور». وهذا هو بالضبط «الانتظار الفعّال» الذي أسسه الإمام الخميني (ره).

وقد أكد قائد الثورة مراراً في خطاباته: «نحن ننتظر الظهور، ولكن الانتظار لا يعني الجلوس مكتوفي الأيدي. يجب أن نمهّد الأرضية». وهذا التمهيد هو بالضبط ما يحدث في سوريا والعراق واليمن وفلسطين.

السلام العالمي؛ وعد يتحقق بعد الحرب

قد يتساءل البعض: لماذا يجب أن تكون هناك حرب حتى يأتي السلام؟ الجواب يكمن في القرآن الكريم: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ» (الأنبياء: ۱۰۵). أي أن الأرض ستؤول في النهاية إلى عباد الله الصالحين، ولكن هذا الميراث لا يُنال دون جهاد وابتلاء إلهي. حروب آخر الزمان هي الامتحان الكبير الأخير للبشرية. الذين يقفون في هذا الامتحان إلى جانب الحق، سيكون لهم مكانة خاصة في حكومة العدل المهدوية. والذين يقاتلون إلى جانب الباطل، مصيرهم الفناء.

واجب المنتظرين في عصر حروب آخر الزمان

في الختام، لا بد من القول بصراحة: نحن نعيش في خضم حروب آخر الزمان. ومع كل يوم يمر، تتحقق إحدى علامات الظهور. ولكن ما هو واجبنا؟ هل نكتفي بالمشاهدة والجلوس في الانتظار؟ أبداً! الإمام المهدي (عج) يحتاج إلى أنصار لا يفرّغون خندق الحق في هذه الحروب. الجهاد التبييني في الفضاء السيبراني، ودعم محور المقاومة، وتقوية اقتصاد المقاومة، وتربية جيل منتظر – هذه واجبات تقع اليوم على عاتق كل شيعي منتظر.

فلنعقد العهد أن نكون إلى جانب جنود الإمام المهدي (عج) في هذه المعركة التاريخية. عسى أن نكون في ركابه من الثابتين والمنصورين. اللهم عجّل لوليك الفرج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى