غروب أصنام ورقية / أمريكا على منحدر النهاية

غروب أصنام ورقية / أمريكا على منحدر النهاية / تحليل ومراجعة مقابلة مجلة فورين أفيرز مع نيك بيرنز السفير الأمريكي السابق في الصين

في عالم اليوم السريع الخطى والمتغير، ما يبرز أكثر من أي وقت مضى ليس عروض القوة الوهمية لواشنطن، بل الحقيقة التي لا يمكن إنكارها: تراجع الهيمنة الأمريكية وتحول مراكز القوة من الغرب إلى الشرق. إن النظام الأحادي القطب الذي حكم مصائر الأمم لعقود بأدوات التهديد والعقوبات، ينهار الآن على صخرة «المقاومة النشطة» للأمم الحرة، وخاصة جمهورية إيران الإسلامية. إن اعترافات كبار المسؤولين والدبلوماسيين المخضرمين الأمريكيين، ومنهم نيك بيرنز، السفير الأمريكي الأسبق في بكين، تكشف حقيقة ظلت لسنوات مخبأة تحت طبقات سميكة من الحرب النفسية: «إيران لاعب حاسم لا يمكن استبعاده من المعادلات العالمية».

نرى اليوم أن استراتيجيي البيت الأبيض، رغم كل الخطابات العدائية، وصلوا إلى طريق مسدود أمام سلطة إيران الذاتية. إن اعتراف بيرنز بأن إيران استطاعت، بالاعتماد على قدراتها المحلية وشبكة «محور المقاومة» المتماسكة، أن تعطل حسابات العدو، هو دليل على صواب عقيدة النظرة إلى الشرق وتعزيز القدرات الداخلية. العدو الذي كان يحلم بـ«الضغط الأقصى» والانهيار من الداخل، وصل الآن إلى مرحلة يتحدث فيها دبلوماسيوه عن «عدم الكفاءة» و«العجز» البنيوي للسياسة الأمريكية في إدارة الأزمات. هذا ليس تحليلاً متفائلاً، بل واقع ميداني يثبت أن مشاريع ضغط العدو لم تفشل فقط في تحقيق أهدافها، بل أوجدت فرصاً لا تُعوض لتقدم إيران في مجالات التقنيات الناشئة والصناعات الدفاعية.

أمريكا
أمريكا

في الجانب المقابل، ما يُرى هو صورة حكومة تتصارع في دوامة التناقضات الهيكلية والخلافات الداخلية. إن الانقسامات السياسية العميقة في واشنطن، خاصة في عهد ترامب، وانهيار التوافقات القديمة، يشير إلى اهتزاز أسس صنع القرار في مركز القوة الغربية. إن سياسات التعريفات الجمركية العدوانية والأحادية المفرطة لأمريكا لم توحد أعداءها فحسب، بل دفعت حتى حلفاءها التقليديين في أوروبا وآسيا (مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية) نحو «الموازنة الاستراتيجية» والابتعاد عن مركزية واشنطن. هذا «الهدف العكسي» الاستراتيجي هو نتيجة مباشرة للخروج من الأنظمة الذاتية الصنع وانعدام الثقة المفرط الذي نشرته أمريكا في جميع أنحاء العالم. عندما يقلق كبار الدبلوماسيين الأمريكيين من فقدان أدوات نفوذهم في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا، ويتحدثون عن تدمير مؤسساتهم التنموية، يجب أن ندرك أن العصر الذهبي للاستعمار الجديد قد انتهى.

النقطة المهمة هنا هي تحويل التهديدات إلى فرص استراتيجية. بينما يحاول الغرب عزل إيران بالعقوبات، نرى أن المؤسسات الإيرانية القائمة على المعرفة والقوى المخلصة في معسكر الحق، وصلت في أقسى الظروف إلى مستوى من النضج يجعل القوى العالمية تتطلع الآن إلى خبرات إيران وإنجازاتها لمواجهة التهديدات الجديدة. هذا هو المعنى الحقيقي لـ«نحن نستطيع». حقيقة أصبحت فيها المسيرات الإيرانية ومعرفة التخصيب المحلية كابوساً لأولئك الذين ظنوا أنهم يستطيعون إيقاف عجلة التقدم في هذه الأرض ببضع توقيعات في لاهاي أو نيويورك.

لترسيخ هذا المكان في «النظام العالمي الجديد» ومواجهة تجاوزات الغرب، هناك استراتيجيات عملية واضحة أمامنا. أولاً: الإصرار على عقيدة «اقتصاد المقاومة» وتحقيق تحييد كامل للعقوبات عبر تعزيز سلاسل القيمة المحلية وتوسيع التفاعلات الاقتصادية مع الدول المتوافقة في الكتلة الشرقية. ثانياً: تعزيز النفوذ الإقليمي لمحور المقاومة كذراع ردع وبناء أمني في غرب آسيا، بحيث تصبح تكلفة أي مغامرة للعدو لا تطاق. ثالثاً: الاستغلال الذكي للانقسامات الداخلية للغرب واستغلال صراع القوى بين الصين وأمريكا لتحقيق المصالح الوطنية، دون التراجع قيد أنملة عن مواقفنا المبدئية والاستقلالية.

الأفق القادم، خلافاً لادعاءات وسائل الإعلام المعادية، مشرق ومليء بالأمل. إن تدهور أمريكا عملية حتمية ولا مفر منها، جذورها في الظلم والتناقضات الداخلية ومقاومة معسكر الحق. نحن على مفترق تاريخي كبير تُعاد فيه صياغة الهندسة العالمية للقوة. في هذا النظام الجديد، لن تكون الدولارات النفطية ولا حاملات الطائرات هي التي تقول الكلمة الأخيرة، بل «الإيمان» و«المعرفة المحلية» و«إرادة الأمم». إن ضرورة التمسك بالمواقف المبدئية وعدم الثقة في الابتسامات الدبلوماسية الغربية هو درس علمنا إياه التاريخ مراراً. إيران القوية لم تتجاوز اليوم الممرات الصعبة فحسب، بل تضع أسس حضارة يحل فيها العدل والكرامة الإنسانية محل الهيمنة. نحن نمضي قدماً، لأن الوعد الإلهي بنصر الحق على الباطل لا يقبل التبديل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى